تعافي الحضارة يبدأ من هنا لماذا يجب أن تكون ميار هي المعيار؟
كيف تتحول قصة نجاح الطفلة ميار عثمان إلى مشروع وطني ومعيار لحضارة مستدامة؟

بقلم د. أحمد راشد
رئيس معهد حقوق الحضارة
في بعض اللحظات النادرة، يمنحنا الله رسالة طمأنينة وسط ضجيج العالم وتهديدات الفناء.
رسالة تقول إن الخير ما زال ينبت، وإن المستقبل لم يُغلق أبوابه بعد، وإن هذه الأرض التي حملت الحضارات عبر آلاف السنين ما زالت قادرة على أن تهبنا ما يذكرنا بأن الأمل ليس فكرة رومانسية، بل طاقة حقيقية كامنة في الإنسان وفي البيئة التي تصنعه.
في هذه الأيام، وبينما ينشغل العالم بالذكاء الاصطناعي والذكاء الفائق، وبالتحولات الكبرى التي ستشكل ملامح الحياة بعد عام 2030، وبينما يتواصل في مصر الحوار الوطني حول بناء الإنسان وإعداد الأجيال القادمة للتعامل مع مستقبل غير مسبوق في سرعته وتعقيداته، يراودني سؤال يتجاوز التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة.
إذا كانت الأمم المتحدة قد وضعت سبعة عشر هدفًا للتنمية المستدامة، فمن الذي سيتحدث عن تعافي الإنسان نفسه؟ ومن الذي سيتحدث عن الذاكرة الحضارية والقيم والمعنى والهوية والقدرة الإنسانية على إنتاج المعرفة والإبداع والأمل؟
من هنا تنبع فكرة معايير تعافي الحضارة (CRGs) التي يعمل عليها معهد حقوق الحضارة باعتبارها مرحلة تالية ومكملة لمسار التنمية المستدامة. فالتنمية تبني الحاضر، أما تعافي الحضارة فيبني قدرة الحضارة البشرية على الاستمرار والتجدد عبر الأجيال.
البيئة الأصلية… أصل الحكاية
في قلب هذه الرؤية يبرز مفهوم محوري يقوم عليه علم السيفيليزولوجي (Civilizology)، وهو أن الحضارة لا تتعافى فقط بإصلاح ما تضرر منها، وإنما باستعادة البيئة الأصلية المنتجة للحضارة لقدرتها الطبيعية على العطاء.
فالبيئة الأصلية ليست مجرد مكان جغرافي، بل منظومة من البشر والقيم والثقافة والتعليم واللغة والذاكرة والخبرات المتراكمة. وعندما تتعافى هذه البيئة تستعيد قدرتها على إنتاج الإنسان المبدع، القادر على الإسهام في مستقبل الإنسانية.
ولهذا فإن حقوق الحضارة وتعافي الحضارة يرتبطان بحق البيئة الأصلية في أن تستعيد عافيتها، وأن تستعيد قدرتها على إنتاج الموجات الجديدة من الإبداع والتميّز.
وجاءت ميار
وفي خضم هذه الأسئلة الكبيرة جاءت لحظة فوز ميار عثمان بجائزة تحدي القراءة العربية.
قد يراها البعض قصة نجاح فردية أو إنجازًا تعليميًا استثنائيًا، لكنها بالنسبة لي حملت معنى أكبر من ذلك بكثير. عندما رأينا دموعها تنهمر، وسجودها العفوي، وفرحة أسرتها ومعلميها ووطنها، لم نكن أمام طفلة فازت بجائزة فقط، بل أمام مشهد إنساني نادر أعاد إلينا الثقة في قدرة المعرفة على صناعة المعجزات.
وأعترف أنني شاركتها دموعي في تلك اللحظة. ليس بسبب الجائزة وحدها. بل لأنني رأيت في ميار ما هو أكبر من ميار. رأيت دليلًا حيًا على أن هذه الأرض ما زالت قادرة على الإنجاب الحضاري. لحظتها شعرت بأن الحضارة ما زالت ولّادة.
ميار ليست دليلاً على الندرة
لكن الرسالة الأهم التي حملتها ميار ليست أنها طفلة استثنائية. الرسالة الأهم هي أنها أثبتت قدرة البيئة الأصلية على إنتاج التميز. كثيرًا ما نتعامل مع النماذج المضيئة باعتبارها استثناءات نادرة، بينما قد تكون الحقيقة مختلفة تمامًا.
• فميار ليست دليلًا على الندرة.
• ميار دليل على القدرة.
• دليل على أن مجتمعنا ما زال يمتلك طاقات كامنة هائلة، وأن مدارسنا ومعلمينا وأسرنا وبيئاتنا الثقافية ما زالت قادرة على إنتاج نماذج مضيئة إذا وجدت من يكتشفها ويرعاها ويحميها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف صنعت ميار هذا الإنجاز؟ بل:
• كم ميار أخرى تنتظر من يكتشفها؟
• هل يمكن أن تكون ميار هي المعيار؟
وهنا أصل إلى النقطة التي أراها الأكثر أهمية في هذه اللحظة.
إذا كنا نتحدث اليوم عن بناء الإنسان للمستقبل، وإذا كنا نبحث عبر الحوار الوطني عن نماذج عملية لما نريد أن يكون عليه الإنسان المصري في العقود القادمة، فربما حان الوقت لطرح سؤال مختلف:
لماذا لا تكون ميار هي المعيار؟
• ليس معيارًا لطفلة ناجحة فقط.
• بل معيارًا لقياس نجاح البيئة التعليمية.
• ومعيارًا لقياس نجاح الأسرة.
• ومعيارًا لقياس نجاح الثقافة.
• ومعيارًا لقياس نجاح المجتمع في إنتاج إنسان قادر على القراءة والتفكير والتعبير والإبداع.
فحين نتحدث عن بناء الإنسان، لا ينبغي أن يكون السؤال: كم بطلاً صنعنا؟ بل:
• كم بيئة قادرة على إنتاج الأبطال؟
• كيف نحافظ على ميار؟
بعد انتهاء التصفيق تبدأ الأسئلة الصعبة.
• هل تستطيع ميار، الطالبة بالصف السادس الابتدائي في محافظة كفر الشيخ، أن تعود إلى مقعدها الدراسي كما كانت؟
• هل تستطيع أن تفتح كتابًا جديدًا بنفس السكينة التي كانت تقرأ بها قبل الجائزة؟
• هل تستطيع أن تواصل بناء نفسها بعيدًا عن ضجيج الأضواء؟
• هل ستبقى القراءة هي مركز الحكاية؟
• أم ستصبح الحكاية كلها حول الاحتفالات والمقابلات والصور والانطباعات؟
هذه الأسئلة ليست عن ميار وحدها. إنها أسئلة عن قدرتنا كمجتمع على حماية الموهبة من الاستنزاف. وعن قدرتنا على التفرقة بين الاحتفاء بالنجاح وتجريف النجاح.
من كرم جابر إلى منتخب 2034
لقد علمنا التاريخ القريب دروسًا كثيرة.
أتذكر البطل الأولمبي كرم جابر، وأتذكر نماذج عديدة في الرياضة، والعلم والثقافة والفنون.
لم تكن المشكلة في الموهبة. بل غالبًا ما كانت في غياب المنظومة القادرة على تحويل الإنجاز إلى مشروع طويل الأمد.
وعندما حقق المنتخب القومي للكبار إنجازات تجاوزت التوقعات، انشغلنا بالاحتفالات أكثر من انشغالنا ببناء منتخب 2030 أو 2034. وعندما يحقق منتخب الناشئين نجاحًا اليوم، يصبح السؤال الحقيقي:
هل سنحول هذا النجاح إلى مشروع وطني مستدام؟ أم سنكتفي بالاحتفال به حتى يذوب مع الزمن؟
إنها الظاهرة التي يمكن أن نسميها:
تجريف النجاح.
• أن نستهلك الثمرة فور نضجها.
• بدلًا من أن نزرع بذورها.
من قصة طفلة إلى مشروع حضاري
هنا تلتقي قصة ميار مع مفهوم تعافي الحضارة.
فالحضارة لا تتعافى عندما نكتفي بالاحتفاء بالنماذج الناجحة. بل عندما نستعيد قدرة البيئة الأصلية على إنتاج النماذج الناجحة بصورة متكررة ومستدامة.
• الحضارة تتعافى عندما تتحول الموهبة إلى مدرسة.
• والنجاح إلى مؤسسة.
• والتجربة الفردية إلى نموذج مجتمعي.
• والبذرة إلى غابة كاملة من البذور الجديدة.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي حملته لنا ميار دون أن تدري. لقد ذكّرتنا بأن المستقبل ما زال ممكنًا.
وأن الحضارة ما زالت قادرة على الإنجاب. وأن الأمل ما زال يعيش بيننا.
الخاتمة: الرسالة التي جاءت بها ميار
إذا كانت التنمية المستدامة قد انشغلت ببناء عالم أفضل، فإن تعافي الحضارة ما بعد 2030 يجب أن ينشغل أيضًا ببناء إنسان قادر على حمل ذلك العالم، وباستعادة قدرة البيئات الأصلية على إنتاج المعرفة، والإبداع، والقيم والمعنى.
فالاحتفاء بميار لحظة جميلة. أما حماية ميار وأمثالها، وتعظيم قدرة البيئة الأصلية التي أنجبتها على إنتاج آلاف الميارات القادمة، فهذه ليست مسؤولية تعليمية فقط، ولا ثقافية فقط، ولا إعلامية فقط.
إنها مسؤولية حضارية كاملة. وربما لا تكون الرسالة الأهم في قصة ميار أنها فازت بجائزة.
بل أن بيئتها الأصلية قالت لنا بصوت واضح:
• ما زلت أستطيع الإنتاج.
• ما زلت أستطيع العطاء.
• ما زلت أستطيع صناعة المستقبل.
وعندما تصبح ميار معيارًا لا استثناءً، ستدر هي وامثالها المليار من الفرص والعوائد، ونكون قد بدأنا بالفعل أولى خطوات تعافي الحضارة ما بعد 2030.
ولمزيد من المعلومات عن مفهوم تعافي الحضارات اضغط هنا
https://www.facebook.com/share/19nnKxgbL5/



